صديق الحسيني القنوجي البخاري

362

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن أنس « أن عمر قرأ على المنبر فأنبتنا فيها حبا وعنبا إلى قوله : وَأَبًّا قال كل هذا قد عرفناه فما الأب ، ثم رفض عصا كانت في يده فقال هذا لعمر اللّه هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الأب ، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب فاعملوا عليه ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه » أخرجه ابن سعد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب والخطيب . قال المحلي أَبًّا أي ما ترعاه البهائم أي سواء كان رطبا أو يابسا فهو أعم من القضب وقيل التين وعليه فالمغايرة بينه وبين القضب ظاهرة . مَتاعاً لَكُمْ منصوب بأنبتنا لأنه مصدر مؤكد لعامله لأن انباته الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات ، ويحتمل أن العامل محذوف تقديره فعل ذلك متاعا لكم أو متعكم بذلك تمتيعا لكم وَلِأَنْعامِكُمْ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم . ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال : فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يعني صيحة يوم القيامة ، وسميت صاخة لشدة صوتها لأنها تصخ الآذان أي تصمها فلا تسمع ، وقيل لأنها تصخ لها الأسماع من قولك أصاخ إلى كذا أي استمع إليه ، والأول أصح قال الخليل : الصاخة صيحة تصخ الآذان حتى تصمها لشدة وقعها ، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذ من الصك الشديد يقال ، صخة الحجر إذا صكه به ، وقال ابن عباس : الصاخة من أسماء يوم القيامة . قال ابن الأعرابي : الصاخة التي تورث الصمم وأنها لمسمعة ، وهذا من بديع الفصاحة والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم ، وجواب فَإِذا محذوف يدل عليه قوله الآتي لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ الخ أي فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه . يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ الظرف إما بدل من إذا جاءت أو منصوب بمقدر أي أعني ، ويكون تفسيرا للصاخة أو بدلا منها مبني على الفتح ، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة وأولادهم بالحنو والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم وخطب فظيع ، وتبعات بينه وبينهم ، والمراد بالفرار التباعد . والمعنى أنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله بنفسه ، قيل أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح ، والعموم أولى ، وقيل إنما يفر عنهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينهم . وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من الشدة وقيل لعلمه بأنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا كما قال تعالى : يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [ الدخان : 41 ] . قال عبد اللّه بن طاهر الأبهري : يفر منهم لما يتبين له من عجزهم وقلة حيلتهم ،